نعم، هذا أكيد….. ها هم يقفون أمامي.. أبو جهل والوليد بن عتبة وأمية. لكنني وحدي وسط صحراء ذهبية تمتد مد البصر. أين المسلمين؟أين النبي؟أين الملائكة المسومين؟ لم أنا وحدي في مواجهتهم ولا توجد سوى نخلة يتيمة في ظهري؟؟؟
لا بأس سأقاتلهم وحدي إن المسلمين فازوا في بدر أليس كذلك؟ إذن فأنا فائز لا محالة لن أخاف فأنا الناصر سيف الدين فإما النصر وإما الشهادة التي تمنيتها منذ طفولتي. هاهو الوليد بن المغيرة يقترب.. قد اختاروا أمكرهم لكن هيهات. أضع يدي على مقبض سيفي متحفزا. إنه مازال يقترب دون أن يستل سيفه. ابتسامته الصفراء المقيتة وعينيه المتقدتين هزتا أعماقي لكني تصنعت الشجاعة. أردت أن أنظر إليه مثلما يفعل لكن خانتني عيناي. إنه قريب جدا لكن لم لا يستل سيفه؟؟؟ هل يستخف بي؟؟ حسنا هي فرصتي لأصرعه دون قتال.
رفعت سيفي من غمده وهنا فقط عرفت سبب استخفافه. كان أقصر سيف رأيته في حياتي رغم غمده الطويل حتى نصله لم يكن حادا حتى لحك جلدي. وجلت و أحسست بقلبي يغوص في قدمي حين استل سيفه. كان سيفه كقامة رجل كأن صفحته حجبت الشمس ثم هاهوذا يقول في تشفي: “ظننت أنك تستطيع أن تهزمني يا غلام؟؟.لقد كنت دائما تقول إن الخير يهزم بخور أهله وضعفهم وها أنت ستكون دليلا على ما تقول لكني لن أجعلك تتحجج بسيفك” قالها ورمى سيفه إلي.كان ثقيلا ومقبضه مشتعلا من حر الشمس عجبت كيف كان يحمله لكن ضخامته أغنت عن الجواب. في لحظة واحدة رأيت سيفا مماثلا في يده كأنه نبت من عدم ثم هوى على سيفي بسيفه وبدأت المبارزة..
التف الجميع حولنا في دائرة وقد زاد عددهم زيادة مخيفة يرقبونني في جذل وتشفي. لكن المبارزة لم تطول فقد هوى بسيفه ثلاث مرات فحسب. الأولى كسرت نصل ما كان سيفه والثانية أطاحت ما بقى منه من يدي أما الثالثة فقد أخافني بها لأقع على الأرض وسط ضحكات مجنونة ونظرات مشتعلة. هنا نظرت إليه بعين نصف مفتوحة و هو قادم إلى وكأن الشرار يخرج من عينيه وتلك الابتسامة الصفراء لا تفارق شفتيه.سيفه يلقي بظله الرهيب على وهو يقترب نحو صدري ببطء. رباه ! إني سأموت سأفقد دنياي وحياتي أهلي وأصحابي. دراستي ومستقبلي.. أليس هذا ما كنت أتمناه؟؟؟ لكنني خائف.. خائف. لكنها الشهادة التي تدخلني الجنة دون حساب وقد أذنبت ذنوبا تجعلني أهرول وراء فرصة كهذه. ها هو يرفع سيفه عاليا ثم يهوي به على صدري في قوة وعنف. أغمضت عيني و دقات قلبي تصم أذني. سمعت صوت السيف ينغرس جواري فنظرت إليه وهو يقول في سخرية: “هل كنت تريدني أن أبعثك إلى الجنة؟؟!!
كلا فإنها ليست للجبناء مثلك إن اعرف أهلها جيدا لأني لست منهم فلم أمني نفسي وأخدعها” ثم انطلق في ضحك مجنون بدا وأنه لا يتوقف. لن أدخل الجنة!!!! كلا إنني سأقتله لعلي أستيثرهم ويقتلوني. نزعت السيف المغروس في الرمال وتحاملت على نفسي لأطعنه وهو موليني ظهره قبل أن يحذروه. يدي ترتعش لكني تجاسرت.غرستها حتى المقبض فيه لكنها لم تصبه كأنها ضربت الهواء.
جريت إلى كل من الواقفين أحاول طعنهم لكن لا فائدة أستثيرهم ليحاربوني لكن لا مجيب سوى ضحكات تصم الآذان والتشفي والازدراء. ظللت أصرخ:”هل من مبارز؟ أنا الناصر سيف الدين؟هل من مبارز؟” خرج اللقب من حلقي مبحوحا مبتورا. ظللت أهوي بالسيف حتى كلت يدي فرميت السيف على الأرض وجلست أبكي. هنا استحالوا كلهم شياطين وبدأو في رقص محموم. أظلمت السماء فجأة كأنني في غياهب بئر سحيق. تلونت أجسادهم الشيطانية بزرقة مخيفة و أخذوا يرقصون. اشتعلت دائرة النار من حولي وحبس الخوف دموعي فظللت أرتجف كما لم أفعل من قبل.أتشنج وأجهش بالبكاء والصراخ في هستيريا لا مثيل لها. فجأة اختفى كل هذا كأنه لم يكن ووجدت نفسي أهوي من جرف عال لكني لا أجد أرضا ألمسها إنها دائما على مرمى بصري لكن لا أصل إليها قط ظللت أصرخ و أصرخ لكني ظللت أهوي. أصرخ هاويا.. هاويا بين السماء والأرض.
هنا ظهر هو.. لم أكن رأيته من قبل ككل من قابلت لكني أحسست به. جناحاه المخضبان بالدماء أكدا لي. إنه جعفر الطيار مَثَلي الذي أصبو إليه.وقف وجناحاه يرفرفان كأنه يدعوني للتشبث به. تعلقت بثوبه الأخضر المشرب بالحمرة فطار بي حتى بلغت أرضا أحسست أنها أرض بدر. رأيت جموع المسلمين حول البئر بثيابهم البيضاء تلوح لي من بعيد و راياتهم خفاقة في الهواء.سمعت التهليلات والتكبيرات تنعش نفسي وتثلج صدري ونسيت ما ألم بي. التفت إليه و البشر يعلو وجهي فرأيته ينظر إلى في حنان وقال” أي بني ألا تود أن تكون معي نطير سويا في الجنة؟” فغرت فاهي من الدهشة وقلت: “وهل أصلح؟” قال “نعم لكن لا تخض معارك في الهواء وتركب جيادا من سراب.اعمل… اعمل حتى تعطي كل مالديك ثم تنظر إلى السماء بعين باسمة كأنك تقول هأنذا يا رب أوف بوعدي فأوف وعدك ولن يتِرك الله عملك. هيا اذهب فالمعركة على وشك الوقوع هيا اذهب “إنها بدر”.
أنهى كلامه وضمني إليه ضمة لن أنساها لم تكن ضمة وداع بل ضمة تقول إني منتظر. خلى ذراعيه من حولي وهم بالانصراف فرجوته ليبقى ويحارب معي فقال وهو يبتسم: “لم أكن هناك كنت في الحبشة ألا تذكر؟؟!!!” قالها وطار مجددا. نظراته الحانية تحذرني من أن أنسى.
جريت إلى المعركة وكنت أصرخ إنها بدر إنها بدر. حتى استيقظت ووجدت نفسي لازلت أهتف بهذا الهتاف. وجدتني أحتضن كتابا عن الصحابة وصفحة جعفر الطيار مطوية فيه. رباه! كان حلما طويلا لكني لن أنساه ولسوف يترك أثره على حياتي أبد الدهر وليكن ذلك سرا بيني وبينك إلى أبد الآبدين.