….و غرقت الأحلام (قصة)

يونيو 4, 2008

 

الله أكبر….الله أكبر

دوى آذان صلاة الفجر في غرفة الاسطى سعيد الناجي.لم يكن الصوت عاليا ليوقظ انسانا يعمل ستة عشرة ساعة

في اليوم على سيارة نقل يبدو وكأنها ستدور حتى يوم القيامة.لكن أذنا اعتادت منذ الصغر أن تسمع صوت الآذان

وتستيقظ عليه  كانت كفيلة بإيقاظ صاحبها ليبدأ يومه ببركة الصلاة التي لا تعدلها بركة.

نهض من سريره وفرك عينية وقال بصوت خفيض”الحمد لله الذي بعثنا من بعد مماتنا وإليه النشور”.قام إلى

 

الحمام وتوضأ ثم وقف إلى جوار السرير المقابل وشرع يوقظ تباعه و ابن أخيه الذي ظل يتململ ويدفن نفسه

 

تحت الدثار فهزه العم بقوة ليوقظه وهو يقول”قم و دعك من الكسل والله إن أهلك ليحسدوك إنك بتصلي عند

 

الكعبة كل يوم لكن ماذا تقول على بطر البني آدم قم با بني لا تضع علينا الجماعة”

 

نحى علي الدثار عنه وقال وهو يتثاءب” سامحك الله يا عمي أكان يجب أن توقظني وتركبني ذنب” ثم قام في تثاقل

 

إلى الحمام وتوضأ.

 

لم يلبثا أن نزلا إلى الحرم من سكنهم القريب وصلا النفل وطافا بالكعبة ثم صلا خلف السديس وأمتع آذانهما صوت

 

القراءة الفاتر المحبب المميز لصلاة الفجر.

 

بعدها ظلا يقرآن القرآن حتى حان ميعاد العمل.

 

ذهبا إلى جراج الشركة التي يعملون عندها ثم استقلا السيارة النقل لنقل مواد البناء إلى موقع أحد مشاريع

 

الشركة.ظل  العم سعيد يدندن بأغنية قديمة في شجن يسلي نفسهأثناء القيادة  فابتسم علي وقال له “و كأني

 

أسمعك  تدندن في فرحي يا عمي أم أنك لا تريد أن تراني عريسا وتفرح بي؟؟؟ “

 

ابتسم العم بدوره وقال “قلت لك حين تنهي ابنة عمك دراستها و خيرا فعلت حين سافرت معي تدخر مالا ينفعك

 

بدلا   من تعطيلها كل يوم بحجة إنك خطيبها وساكن معنا في بيت واحد فلا تكن لحوحا و إلا العرق الصعيدي يغلب

 

وأحلف إنك لن تتزوجها”

 

وضع علي يده على فمه وقال من وراءها في خوف مصطنع”حسنا ها قد صمت”.ضحكا ثم عاد العم للدندنة من

 

جديد.

أما علي فلم يعد معه.كان مسافرا في عالم الخيال والأحلام إلى مصر.رأى نفسه عريسا في الكوشة و في يده يد

أجمل فتاة في الحي كله وسط الزغاريد والضحكات… تنظر حبيبته إليه على استحياء و ينظر هو إليها بكل شوق

ولهفة وبعد أن ينصرف الناس وينتهي الفرح يذهبا معا إلى شقتهما وتكون ليلة من أجمل ليالي عمره. ليلة حلم

بها طويلا منذ صغره….أن يكون زوجا للفتاة الوحيدة التي ملكت قلبه و التي تغرب من أجلها.

يحلم بأن ينجب أطفالا كثر يعوضونه عن الوحدة التي عاشها في صغره وينسى معهم شعور اليتم الذي لازمه رغم

عطف عمه عليه و تربيته له.لكنه كان يخشى أن يموت ويتركهم كما فعل أبوه فطل الحزن على وجهه لكن سرعان

ما استعاذ بالله ونفض الفكرة من رأسه وعاد لأحلامه الجميلة مجددا.

لم يلحظ  أن عمه توقف عن الدندنة وسرح بدوره في عالم الخيال……

كان يحلم باليوم الذي سيأتي بعد أسبوعين وينزل بالسيارة النقل التي وضع فيها كل تحويشة الغربة عشر سنين

حارما نفسه من كل شئ .يحلم باليوم الذي يرى يعيش فيه إلى الأبد مع زوجته وبناته وأصدقاءه كما يتعجل يوم

زواج ابنته الكبرى وأول فرحته. طوت أحلامهم الطريق سريعا فكأنهم وصلوا إلى الموقع بعد دقائق من طلوعهم

مما قطع حبال أفكارهما بغتة فقفزا من السيارة وعاونا علي العمال في إنزال أكياس الرم لثم ذهب العم لينادي

الملاحظ ليتمم على الحمولة بعد إنزالها ليعاود االقيادةمرة أخرى.

مر اليوم كباقي أيام العمل وقدم العم لا تفارق دواسة الوقود إلا لتضغط على المكابح ليستقر واين أخيه آخر النهار

في سكن الشركة للعمال.

كان يستيطئ الأيام ويرجوها أن تمر بسرعة فلم تخب ظنه وها قد أتى يوم الرجوع إلى مصر.

 

  في ميناء ضبا استقر بهما الحال وظل ينظر العم إلى سيارته النقل الكبيرة وهي تدخل جراج العبارة بفخر و فرح

كأنه يزف ابنتا عانى في تربيتها والعناية بها. وهل عشرة أعوام مضنية من التعب والكد لا تسمى عناية؟.

ربت على كتف علي وقال في حنان”خلاص يا سيدي وقت الراحة أهو قرب”.

لكنه لم يدرك أنه كان محقا في هذه الجملة لكن بطريقة أخرى……

صعدا على متن العبارة بعد انتظار في طوابير طويلة تثير عجب كل ذي لب عن كيفية دخول كل هؤلاء البشر في

هذه العبارة المتهالكة وكيف يتحمل الناس هذا الزحام الخانق لكن رخص ثمنها نسبة لوسائل النقل الأخرى تغني

عن الجواب.

في كبينة ضيقة تكوم سعيد وابن أخيه يستريحون من عناء اليوم وكل منهم سافر بقلبه قبل جسده في مصر.شعر

كلا منهما بقلبه يخفق كأنه لا يصدق أنه سيعود إلى حضن الأهل والأحباب.بيتهم القديم المتواضع لكن نظافته و

العناية به تجعله في عينيهما قصر من القصور.الجلوس حول الطبلية و طهي زوجة العم الذي لا يقاوم.صوت

شهقة الملوخية التي تصر عليها حتى لا تفسد أفضل طبخاتها وسط ضحك البنات و مشاكستهن.مشاهدة فيلم

السهرة وسط “قزقزة اللب”.ضحكة هدى الصافية آخر العنقود حين يحملها علي .رقة أحلام الكبيرة و مشاعرها

الفياضة كأنها معين لا ينضب.مرح نادية وحيويتها.تبسمها للحياة و ثقتها في النجاح كأنها ملكة متوجة.

حتى الأصدقاء كان لهم نصيب في هذه الأحلام…

ارتطام الدومينو و رمية زهر الطاولة اتهامات الأستاذ حنفي الدائمة بالقرص على الزهر….الشاي الثقيل

كالحبر والحديث عن الزمن الجميل وسط القهقهة والدعابات

كانوا في إغفاءةجميلة حتى شعروا بالغرفة تميل بهم وثمة جرس يدوي عاليا.فزعا وارتاعا للأمر.صعدا بصعوبة

إلى سطح العبارة.يجرون أرجلهما مرة ويتعثران ويقعان مرات وسط الزحام ممسكين بأيدي بعضهما البعض.

كادت قلوبهما تنخلع حين علموا بأن هناك حريق في الجراج.كاد سعيد يهرع إلى هناك لولا منع ابن أخيه له.كانت

لحظة عذاب.

.رأى  الكبيرأحلامه تحترق فلم يعد يبالي بأصوات الاستغاثة والتضرع.صرخات النساء والأطفال وبكاء العجائز.

نداء أب على أبنائه وسط الزحام.صك أمهات صدورهن على أبناءهم التائهين في هذا المحشر.يهرعون إلى الجنب

الآخر من العبارة علهم يحدثون التوازن لكنها لم تستجب لهم و اتخذت طريقها.أسرع من أسرع إلى الرماثات وفي

قلوبهم الأمل يتدافعون عليها لكنها لا تفتح.فتح بعضها لكن الأوناش لم تكن كافية لإنزالها وهي بدورها لم تكن

كافية لهذا العدد من الركاب.ثمة شاب مال مع العبارة وتعلق بسورها وهو يبكي ويتشنج خشية الموت…..

أطفال ينادون على أمهاتهم…..

رجل يحتضن شيئا يبدو أنه كل ما اشتراه من الغربة……

كل ذلك جرى من حوله وهو صامت ساعده ضوء الكشافات الخافت على تجاهل كل شىء….

لا يشعر إلا بيد علي تجذبه ناحية إحدى الرماثات بعد أن ألبسه سترة النجاة.

ظل يتلوا القرآن في صوت خفيض أعاده إلى رشده قليلا فحاول فتح الرماث كما كان يعلم لكنه لم يستجب.

أو بالأحرى لم تمهله السفينة ليحاول فقد هوت إلى الأعماق فاحتضن ابن أخيه وقفزا معا في الماء البارد قبل أن

تجبرهما السفينة على ذلك ويفترقا.

رأى كل من حوله يهوون ثم ساد الظلام أكثر وأكثر في ليلة أبى القمر فيها الظهور.

سمع أناس يتنادون و أصوات أجساد ترتطم بالماء…..

تضرع ودعاء…توسل لم يسمعه بهذه الحرارة من قبل.كأن المياة التي ترتطم بوجهه دموع مئات من يخشون

الموت.

كان يضع يده في يد ابن أخيه ليطمئن كل منهما على أن الاخر مازال حيا.

طال عليهم الوقت وهم في هذه الحالة و كل منهما يضم سترته عليه بيد ويمسك بيد الاخر وقد نخر البرد في

عظامهم وشعروا بأنهم يتجمدون.كانت تطوف أمامهم جثث كثيرة ويشعرون تحت المياه بجثث تصطدم بأقدامهم.

هنا رأوا ضوء كشاف يقترب بدا وكأنه كشاف رماث نجح الركاب في فتحه فصاح بهم علي “نحن هنا هل يسمعنا

أحد؟؟؟”

 

كاد يفقد الأمل لكن سرعان ما سمع رجلا  يسأله بصوت عال إن كان وحده أم لا إذ أن الرماث لا يتحمل سوى رجل

واحد وإلا غرق بمن فيه وشعر بالرماث يقترب منه والضوء سلط عليه.

حاول علي دون تردد أن يشد عمه ليساعده الرجل على النهوض لكن عمه لم يستجب له………

دفن ر أسه لأسفل و ارتخت قبضة يده.ارتاع علي وألجمته المفاجأة وفقد الاحساس بما حوله وتجمدت الدموع في

عينيه.

جذبه الرجل خارج الماء و هو كالمسحور و جعله يتكوم جوار أحدهم في الرماث الذي شعر وكأنه سيغرق بهم في

أية لحظة و شقوا طرقهم مجددا مجدفين بأيديهم ومخرجين المياه من رماث “النجاة” بأحذيتهم.

لكن مالم يعرفه علي أن عمه لم يكن ميتا بل كان يتنصع الموت. إنه يعرف شهامة ابن أخيه وأنه كان ليفضل

الموت معه لكن من لزوجته وبناته الثلاث من بعده؟؟؟.حتى إذا نجى هو كم سيعيش لهم؟؟؟

كيف كان سيتحمل سبب موت ابن أخيه وولده الذي لم ينجبه؟؟…..

أما الآن فقد شعر أنه ارتاح وأنه سيترك أهله مع رجل لا يخشى عليه.

دون مال نعم لكن من قال إن المال هو الأهم.

الآن قد أدى واجبه وارتاح و رأى في السماء المظلمة صورة أخيه و أبواه يبتسمون ابتسامة فخر ورضى أذهبت

عنه كل وحشة في هذه الليلة و إن لم يتوقف عن التفكير…..

لكن الله أراد أن يرحمه من طول التفكير فانفكت عقد حبال سترة “النجاة” البالية وبدأ يهوي إلى الأعماق كالحجر

وقبل أن تغرق رأسه في الماء نزلت من عينيه دمعة باردة عرفها في عيون كل من سبقوه…….

دمعة الفراق.

 


إنها بدر (قصة)

يونيو 4, 2008

إنها بدر…

نعم، هذا أكيد….. ها هم يقفون أمامي.. أبو جهل والوليد بن عتبة وأمية. لكنني وحدي وسط صحراء ذهبية تمتد مد البصر. أين المسلمين؟أين النبي؟أين الملائكة المسومين؟ لم أنا وحدي في مواجهتهم ولا توجد سوى نخلة يتيمة في ظهري؟؟؟
لا بأس سأقاتلهم وحدي إن المسلمين فازوا في بدر أليس كذلك؟ إذن فأنا فائز لا محالة لن أخاف فأنا الناصر سيف الدين فإما النصر وإما الشهادة التي تمنيتها منذ طفولتي. هاهو الوليد بن المغيرة يقترب.. قد اختاروا أمكرهم لكن هيهات. أضع يدي على مقبض سيفي متحفزا. إنه مازال يقترب دون أن يستل سيفه. ابتسامته الصفراء المقيتة وعينيه المتقدتين هزتا أعماقي لكني تصنعت الشجاعة. أردت أن أنظر إليه مثلما يفعل لكن خانتني عيناي. إنه قريب جدا لكن لم لا يستل سيفه؟؟؟ هل يستخف بي؟؟ حسنا هي فرصتي لأصرعه دون قتال.

رفعت سيفي من غمده وهنا فقط عرفت سبب استخفافه. كان أقصر سيف رأيته في حياتي رغم غمده الطويل حتى نصله لم يكن حادا حتى لحك جلدي. وجلت و أحسست بقلبي يغوص في قدمي حين استل سيفه. كان سيفه كقامة رجل كأن صفحته حجبت الشمس ثم هاهوذا يقول في تشفي: “ظننت أنك تستطيع أن تهزمني يا غلام؟؟.لقد كنت دائما تقول إن الخير يهزم بخور أهله وضعفهم وها أنت ستكون دليلا على ما تقول لكني لن أجعلك تتحجج بسيفك” قالها ورمى سيفه إلي.كان ثقيلا ومقبضه مشتعلا من حر الشمس عجبت كيف كان يحمله لكن ضخامته أغنت عن الجواب. في لحظة واحدة رأيت سيفا مماثلا في يده كأنه نبت من عدم ثم هوى على سيفي بسيفه وبدأت المبارزة..

التف الجميع حولنا في دائرة وقد زاد عددهم زيادة مخيفة يرقبونني في جذل وتشفي. لكن المبارزة لم تطول فقد هوى بسيفه ثلاث مرات فحسب. الأولى كسرت نصل ما كان سيفه والثانية أطاحت ما بقى منه من يدي أما الثالثة فقد أخافني بها لأقع على الأرض وسط ضحكات مجنونة ونظرات مشتعلة. هنا نظرت إليه بعين نصف مفتوحة و هو قادم إلى وكأن الشرار يخرج من عينيه وتلك الابتسامة الصفراء لا تفارق شفتيه.سيفه يلقي بظله الرهيب على وهو يقترب نحو صدري ببطء. رباه ! إني سأموت سأفقد دنياي وحياتي أهلي وأصحابي. دراستي ومستقبلي.. أليس هذا ما كنت أتمناه؟؟؟ لكنني خائف.. خائف. لكنها الشهادة التي تدخلني الجنة دون حساب وقد أذنبت ذنوبا تجعلني أهرول وراء فرصة كهذه. ها هو يرفع سيفه عاليا ثم يهوي به على صدري في قوة وعنف. أغمضت عيني و دقات قلبي تصم أذني. سمعت صوت السيف ينغرس جواري فنظرت إليه وهو يقول في سخرية: “هل كنت تريدني أن أبعثك إلى الجنة؟؟!!
كلا فإنها ليست للجبناء مثلك إن اعرف أهلها جيدا لأني لست منهم فلم أمني نفسي وأخدعها” ثم انطلق في ضحك مجنون بدا وأنه لا يتوقف. لن أدخل الجنة!!!! كلا إنني سأقتله لعلي أستيثرهم ويقتلوني. نزعت السيف المغروس في الرمال وتحاملت على نفسي لأطعنه وهو موليني ظهره قبل أن يحذروه. يدي ترتعش لكني تجاسرت.غرستها حتى المقبض فيه لكنها لم تصبه كأنها ضربت الهواء.

جريت إلى كل من الواقفين أحاول طعنهم لكن لا فائدة أستثيرهم ليحاربوني لكن لا مجيب سوى ضحكات تصم الآذان والتشفي والازدراء. ظللت أصرخ:”هل من مبارز؟ أنا الناصر سيف الدين؟هل من مبارز؟” خرج اللقب من حلقي مبحوحا مبتورا. ظللت أهوي بالسيف حتى كلت يدي فرميت السيف على الأرض وجلست أبكي. هنا استحالوا كلهم شياطين وبدأو في رقص محموم. أظلمت السماء فجأة كأنني في غياهب بئر سحيق. تلونت أجسادهم الشيطانية بزرقة مخيفة و أخذوا يرقصون. اشتعلت دائرة النار من حولي وحبس الخوف دموعي فظللت أرتجف كما لم أفعل من قبل.أتشنج وأجهش بالبكاء والصراخ في هستيريا لا مثيل لها. فجأة اختفى كل هذا كأنه لم يكن ووجدت نفسي أهوي من جرف عال لكني لا أجد أرضا ألمسها إنها دائما على مرمى بصري لكن لا أصل إليها قط ظللت أصرخ و أصرخ لكني ظللت أهوي. أصرخ هاويا.. هاويا بين السماء والأرض.

هنا ظهر هو.. لم أكن رأيته من قبل ككل من قابلت لكني أحسست به. جناحاه المخضبان بالدماء أكدا لي. إنه جعفر الطيار مَثَلي الذي أصبو إليه.وقف وجناحاه يرفرفان كأنه يدعوني للتشبث به. تعلقت بثوبه الأخضر المشرب بالحمرة فطار بي حتى بلغت أرضا أحسست أنها أرض بدر. رأيت جموع المسلمين حول البئر بثيابهم البيضاء تلوح لي من بعيد و راياتهم خفاقة في الهواء.سمعت التهليلات والتكبيرات تنعش نفسي وتثلج صدري ونسيت ما ألم بي. التفت إليه و البشر يعلو وجهي فرأيته ينظر إلى في حنان وقال” أي بني ألا تود أن تكون معي نطير سويا في الجنة؟” فغرت فاهي من الدهشة وقلت: “وهل أصلح؟” قال “نعم لكن لا تخض معارك في الهواء وتركب جيادا من سراب.اعمل… اعمل حتى تعطي كل مالديك ثم تنظر إلى السماء بعين باسمة كأنك تقول هأنذا يا رب أوف بوعدي فأوف وعدك ولن يتِرك الله عملك. هيا اذهب فالمعركة على وشك الوقوع هيا اذهب “إنها بدر”.

أنهى كلامه وضمني إليه ضمة لن أنساها لم تكن ضمة وداع بل ضمة تقول إني منتظر. خلى ذراعيه من حولي وهم بالانصراف فرجوته ليبقى ويحارب معي فقال وهو يبتسم: “لم أكن هناك كنت في الحبشة ألا تذكر؟؟!!!” قالها وطار مجددا. نظراته الحانية تحذرني من أن أنسى.

جريت إلى المعركة وكنت أصرخ إنها بدر إنها بدر. حتى استيقظت ووجدت نفسي لازلت أهتف بهذا الهتاف. وجدتني أحتضن كتابا عن الصحابة وصفحة جعفر الطيار مطوية فيه. رباه! كان حلما طويلا لكني لن أنساه ولسوف يترك أثره على حياتي أبد الدهر وليكن ذلك سرا بيني وبينك إلى أبد الآبدين.