مصر….عصور المواجهات و انقلاب القصور
يونيو 7, 2008|
خاضت مصر منذ القرون الوسطى حتى الآن ثلاثة مواجهات بارزة(من وجهة نظري) ضد أعدائها و تمثلت الخطوة التمهيدية لكل منها
لا بثورة شعبية بل بانقلاب قصر.قبل الخوض في أحداث هذه المواجهات الثلاث علي في البداية أن أتحدث عما يسمى بانقلاب القصر و اعذروني لأنه وجهة نظر هاوي:
انقلاب قصر:
قيام جماعة من داخل النظام السياسي القائم بانقلاب على جماعة أخرى من النظام لها سلطة و نفوذ.تتنوع مهية هذه الجماعة من أن تكون بقيادة رأس السلطة في احيان أو الرجل الثاني أو أحد قادة الجيش و هو الغالب.
هذه الجماعة إذا كانت من العسكر فهي لا تمثل إرادة الأغلبية حتى لو جاءت أفعالها موافقة لها إذ أن الجيش جهة لها مهمة محددة منوطة بها . كما أنها لا ترجع السلطة و اتخاذ القرار للشعب مرة أخرى في كثير من الأحيان بل تقوم
كسلطة استبدادية كسابقتها و تختلف تقييمها حسب سلوكيات و نزهة أفرادها.ذلك لا ينكر أن بعض الانقلابات قامت بمهمة عودة الحكم للشعب كما رأينا في المثال لأبرز لانقلاب الجنرال السوداني الشهير سوار الذهب (و هل معادن الناس من أسمائها؟)
.كذلك قد تكون مناورة من النظم الاستبدادية لذر لرماد في العيون إذا كانت موافقة للأغلبية.
في أغلب الأحيان لا تكون هذه الانقلابات موافقة لإرادة الشعوب وهي في هذا الحال لا تختلف عند لشعوب الخائفة المقهورة عن سابقتها و أبرز مثال على ذلك سلسلة انقلابات القصور التي شهدها العصر المملوكي في مصر على مدار قرون.
1-صلاح الدين:
ظهر اسم صلاح الدين بن يوسف الفارس الكردي- الذي عمل هو و عائلته في خدمة آل زنكي- بقوة على الساحة السياسية في منطقة مصر و الشام مسرح الحملات الصليبية على الشرق حين تولى الوزارة للخليفة العاضد الفاطمي.
1-1- الفاطميين و السلاجقة و الحروب الصليبية:
كان للفاطميين موقفا سلبيا تجاه الحملات الصليبية الأولى على الشام تحت حكم السلاجقة أعداؤهم التقليديين الذين كانوا يحاولون القضاء على الفاطميين الشيعة و إعادة دولتهم للحظيرة العباسية التي استعانت بالأتراك السلاجقة قبل ذلك للقضاء على الشيعة من بني بويه و القرامطة. بالطبع كانت المساندة العباسية مساندة اسمية مستغلة للتأثير على العامة لما للخلافة (التي أصبحت ملكا عضودا في العصر الأموي) من تراث من العزة و الوحدة الشرعية عند المسلمين أما الحقيقة فكانت سيوف الأتراك و حماستهم لنشر الإسلام و الدفاع عنه ضد لمذاهب الهدامة هي السند الحقيقي لهؤلاء المجاهدين.لكن ما لبث لموقف الفاطمي أن انقلب من السلبية للخينة الكاملة و التواطؤ مع الصليبيين تمثل في ترك أنطاكية تسقط لتصبح إحدى الإمارات الصليبية الأربع التي تشكلت في هذا الوقت.كذلك لم تنفع الخيانة الفاطميين عند سقوط بيت المقدس التي كان يدافع عنها حاكم الفاطميين عليها افتخار الدولة.
استمر الموقف الفاطمي بعده سلبيا مخرجا قدرات مر و إمكانيتها الهائلة خارج حسابات الصراع الدائر على أرض لشام تاركا لآل زنكي و من تابعهم مهمة الجهاد بعد سقوط دولة السلاجقة في الشام.
من هذا المنطلق لم يضيع نور الدين محمود فرصة الدخول في الصراع الذي دار على الوزارة الفاطمية بين شور و ضرغام و انتهت بمصرعهما و انتقلت لرجل نور الدين القوي أسد الدين شيركوه ثم لصلاح الدين.
1-2- وثوب الأيوبي:
أيقن صلاح الدين الأيوبي أنه لا سبيل للخلافة الفاطمية بحالتها الراهنة للدفاع عن أراضي المسلمين في مواجهة الخطر الصليبي,لا يحدوه في هذا اختلاف المذهب فحسب بل حالة الدولة المنهكة المتآكلة و على رأسها خليفتها العاضد المريض فبدت الدولة و كأنها تنتظر من يضربها الضربة القاضية دون رد.
2-سيف الدين قطز:
فصل كاتب هذه السطور الأحداث و الظروف الخارجية المحيطة بهذه الفترة في مقال على هذه المدونة بعنوان “هل يعيد التاريخ نفسه في زمن عين جالوت”
2-1-الظروف الداخلية:
كانت الظروف الداخلية في مصر غير مستقرة.فمن حكم الأيوبيين معتمدين على عصبة من المماليك لحكم المماليك لنزاعهم مع سادتهم الأيوبيين في الشام خاصة الحملات التي جردها مغيث الدين أمير الكرك الذي استعان بالمماليك البحرية الهاربة من مصر بعد مقتل أستاذهم آقطاي.حتى أقرانهم الذين بقوا تزعمو الفتن و المؤامرات خاصة حين تولى الحكم طفل صغير هو المنصور نور الدين علي بعد مقتل بيه عز الدين أيبك و زوجته شجرة الدر مما انتقص من هيبة الحكم غير المستقر أصلا.أضف إلى هذا الملوك لأيوبيين الذين حاولوا التحالف مع المغول لغزو مصر كحاكم بنياس و الناصر يوسف حاكم دمشق و حلب.
2-2-انقلاب ثم تحالف:
لكل هذه الظروف العصيبة و احساس نائب السلطنة بالأخطار المحدقة بالبلاد, قام الأمير سيف الدين قطز المعزي بالوثوب على المنصور علي و تلقب بالمظفر و هادن المماليك البحرية بجعل أحدهم أتابكا للجيش و هو آقطاي المستعرب القائد الكفء.تلاه ذلك بالسماح للمملوك الهارب آنذاك بيبرس البندقداري بالعودة من الشام التي سقطت أكبر معاقلها دمشق و حلب في يد التتار بعد تدميرهم لملك الناصر يوسف.
كان ذلك لانقلاب يستتبع توفير النفقة للجيش المطلوب تجهيزه لمواجهة التتار الذين وصلت رسلهم مؤكدة هواجس السلطان الشاب.هذه الأزمة حدت بالسلطان قطز ممثل القوى الإصلاحية في النظام المملوكي إلى التحالف مع مركز القوى الدينية و صاحب الشعبية الجارفة شيخ الإسلام العز بن عبد السلام فعلى صعيد النخبة الحاكمة,استطاع السلطان استصفاء أموالهم لتجهيز الجيش بدلا من فرض اضرائب إجحافا على الناس, و على الصعيد الشعبي تولى العز و
أترابه التعبئة العامة للمصريين و مواجهة الحرب النفسية و الإشاعات لتي كانت تروج عن بأس التتار و شدتهم
امتد التحالف كذلك لملوك الشام عدا صاحب الكرك الذي وقف على الحياد و صاحب حمص الذي سعى لأن يكون حاكم التتار على الشام.
3-أنور السادات:
إياك ثم إياك عزيزي القارئ الكريم حسن الظن و النية بكاتب هذه السطور أن تذهب بك الظنون إلى أي استنتاج غير منطقي أو أي مساواة بالفارسين العظيمين.
لقصر معلومات صاحبكم أنا أردت الحديث عما يسمى بثورة التصحيح التي مثلت للسادات خط الإصلاح السياسي إلى جانب الإصلاح العسكري تحضيرا للمواجهة مع إسرائيل باستراتيجيته الجديدة.
السؤال الجدلي الأبدي الآن:
هل التاريخ يعيد نفسه؟
هل يجب حين تحين المواجهة أن ننتظر انقلاب قصر؟
بصراحة لا أعتقد أن التاريخ يعيد نفسه و سأكررها للمرة المليون.
سمة الحياة التغيير في حياة الأفراد من مرحلة الطفولة للشباب للكهولة و ما يتبعها من تغييرات بدنية و عقلية
كذا المجتمعات تتغير و تتبدل أحوالها عدا قيم و مبادئ عامة أو ما يسمى بالسنن الكونية و تلك هي الخلاف بين المتأملين للتاريخ و سبب تشعب مذاهبهم و مدارسهم لفهمه.هناك من يلي عنق النصوص ليحقق مراده مثل
المساواة بين تلك الأحداث الثلاث شديدة التباين لمجرد أن بكل منها انقلاب قصر!
التاريخ مهم لأخذ العبرة و العظة لا لإثبات حكم مسبق ففي التاريخ الشئ و عكسه لأنه ببسطة تسجيل لأحوال
و حيوات شعوب بأسرها و هو ما يجعل من تأمل التاريخ وجهة نظر من يأخذ مراده منها كان ذكيا اعتبر بغيره
أما من يهملها و يتجاهلها فهو شقي يعتبر بنفسه.
|
|
الإضراب…كلاكيت تاني مرة
مايو 5, 2008أكتب هذه التدوينة و لا أتوقع نجاحا كالمرات التي سبقتها.
دعوت من قبل لقراءة التاريخ من شهرحين نشرت التدوينة السابقة عن الإضراب في أحد المنتديات لكن ما من مجيب .
الموقف الذي نحن فيه حدث قبلا في عهد الدولة العثمانية في مصر.حين كان المماليك من يتحكمون في الأمور و الباشا العثماني لا حول له و لا قوة في قلعة الجبل.
المهم أنه اشتد ظلم محمد بك الألفي و طبعا كله على حساب الخلق و بفلوس الضرايب اللي زادت على الحد.فذهب شيخ الأزهر إلى إبراهيم و مراد بك فلم يكترثا لللأمر.
هنا يصل الموقف إلى أن شيخ الأزهر الذي كان يلعب دور المثقف و السياسي و الفقيه و الزعيم الشعبي الشيخ الشرقاوي (ربنا يسامحه بس ده مش موضوعنا) هيج الناس اللي مخنوقة أساسا
و قفلوا الجامع الأزهر قفلوا المتاجر (أي ما نسميه اليوم الإضراب العام) و تزاحموا أمام بيت إبراهيم بك.:
فجمع الشيخ الشرقاوي علماء الأزهر وتشاوروا في الامر مليا، فانتهوا إلي إنذار الامراء جهرة بالمقاومة، واتفقوا علي اغلاق ابواب الجامع ودعوة التجار، واعلان ما نسميه اليوم ‘الاضراب العام’. ثم ركب الشيخ الشرقاوي والعلماء في اليوم التالي وتبعتهم الجماهير إلي منزل الشيخ السادات لإشراكه واشراك اتباعه معهم في مقاومة الامراء حتي يستجيبوا إلي مطالبهم، وكان لإبراهيم بك كبير الامراء قصر بجوار بيت السادات فرأي هذه الجموع التي لا تكف عن التجمهر وهالته كثرتهم، فارسل يسأل عن سبب اجتماعها، فلما علم بالسبب لم يجسر علي الذهاب بنفسه إلي مكان الاجتماع واناب عنه الدفتردار ايوب بك للاستماع لأقوال العلماء والسعي في تحقيق مطالبهم ، فعلم منهم انهم يريدون كف المظالم وصيانة الاموال والارواح ورفع الضرائب والمكوس، إلا ما يرتضيه الرعية. فخاطبهم ايوب بك في تخفيف بعض المطالب والاكتفاء بتعجيل بعضها مما يستطاع انجازه لوقته، وقال: ان رفع المكوس والضرائب دفعة واحدة متعذر، وانه قد ترفع شيئا فشيئا، وإلا ‘ضاقت علينا المعايش والارزاق’ فصارحه العلماء قائلين: ان الامراء ينفقون الاموال فيما لا حاجة به فلا خير فيه. وما الحاجة إلي انفاق المال في البذخ و الترف والاستكثار من الجواري والمماليك؟ ان الاميريعطي ولا يأخذ ما في ايدي الناس وان الانفاق علي اللذات وضروب الزينة الخاوية اسراف وسفه.
خلع الطاعة
في ذالك المجلس لم يستمع العلماء جوابا شافيا، فباتوا ليلتهم في حرم المسجد علي ان يخرجوا في الصباح إلي الميادين والساحات العامة معلنين الامراء بخلع الطاعة والاستجابة إلي احكام الشريعة فبادر ابراهيم بك إلي طلب المعذرة منهم، واحال التبعة في رفض مطالبهم إلي إصرار المخالفين له من امراء المماليك وعلي رأسهم شريكه في الحكم مراد بك وابلغهم انه يؤيدهم ويحارب في صفوفهم اذا اصر المخالفون علي الرفض والمراوغة، وكاشف مراد بك في الامر مستحثا له عمل شيء عاجل لتهدئة المدينة قبل انفجار الشعب كله بالعصيان.
وكان الباشا الاكبر الوالي العثماني يرقب الحالة لينظر ما يصنعه امراء المماليك لتدارك الخطر قبل استفحاله، فلما كان اليوم الثالث ولم يصنعوا شيئا: قصد الباشا إلي قصر ابراهيم بك وجمع هناك كبار الجند واصحاب الكلمة النافذة في عساكر المماليك وارسلوا إلي العلماء والرؤساء يدعونهم للمشاورة ويعدونهم بإبرام الامر علي ما يحبونه وحضر من رؤسائهم كل من الشيخ الشرقاوي، والشيخ الامير، والشيخ السادات، والسيد عمر مكرم، والشيخ البكري، وهم نواب الامة المختارون لهذه الملمات وانفض الاجتماع بعد طول الاخذ والرد بقبول ما طلبه العلماء وكتابة موثق بذلك علي الامراء ان يتبعوه ولا يخالفوه، ووقعوا جميعا علي ‘الحجة الشرعية’ التي تسجل هذا الموقف وخلاصتها : ان يدين الامراء بقضاء المحاكم في قضايا الحقوق، وان تفرض الضرائب بموافقة الرعية علي حسب الاحكام الشرعية، وان يمتنع حرمان الحاكم علي المحكومين بغير جريرة، وسميت هذه الوثيقة ‘بالحجة الشرعية’ علي عادة قضاة الشريعة في تسمية هذه العقود.
ثم نختتم بقول راوينا الجبرتي في رائعته عجائب الآثار:
“وفرح الناس وظنوا صحته وفتحت الأسواق وسكن الحال على ذلك نحو شهر ثم عاد كل ما كان مما ذكر وزيادة ونزل عقيب ذلك مراد بك الى دمياط وضرب عليها الضرائب العظيمة وغير ذلك. “
و الله على ما أقول شهيد
هل التاريخ يعيد نفسه؟
أبريل 30, 2008السلام عليكم ورحمة الله:
كتبت منذ فترة طويلة في توقيعي في منتدى دار ليلى عن قرب نشري لمسرحية بعنوان “قطز 2006″
لكني أدركت أن الكتابة عن المسرحية أفضل بكثير من المسرحية التي لم أخط فيها حرفا و لم يتبق منها سوى مشاهد قليلة في ذهن العبد لله.
ثم طفا الموضوع على السطح مرة أخرى عندما ظهر موضوع الموسوعة الثقافية المصغرة.
قررت أن أكتب موضوعي وهو عبارة عن وجهة نظر شخصية في الفترة التي سبقت و تلت معركة عين جالوت مباشرة
و بين تاريخنا المعاصر.
إذا رأى الإشراف أن الموضوع لا يناسب الموسوعة يمكنهم أن ينقلوه إلى منتدى خواطر و مقالات لا مشكلة في ذلك.
ندخل في الموضوع مباشرة و لأبدأ في أطراف الصراع المغولي الصليبي الإسلامي و أشباههم في عصرنا الآن:
هل التاريخ يعيد نفسه؟
رغم إيماني العميق أننا يجب ألا نلي عنق الواقع ليتطابق مع التاريخ و أن نتعامل مع الدنيا بقوالب معدة مسبقا ظانين أنها تصلح لكل زمان و مكان, إلا أنني وجدت أن هناك نقاط تشابه عديدة لا أستطيع أن أصمت حيالها:
1-المغول و الأمريكان:
تختلف نشأة المغول عن الأمريكان أو حتى الظروف التي أصبح كلا منهما مؤثرا في عصره.
لكن ربما يجمعهم الحضارة المادية البحتة و دستور يكيل بمكيالين يصرون على تطبيقه على كل الشعوب.
عند المغول هو الإلياسة أما عند الأمريكان فهي الليبرالية و الديمقراطية الغربية.
لا فارق بينهما فكلاهما ظلم بين للآخر الضعيف و جعل الهدف منه هو تسخير العالم للشعب المتميز سواء كانوا غضب الله الذي يعاقب به عباده كما يدعي المغول أو هم أكمل ما وصل إليه الإنسان و يطمح إليه كما يشير صاحب نهاية التاريخ.
لكن الحياة المادية و الرفاهية التي يعيش فيهما سادة العالم تجعلهم أكثر تأثرا بثقافة الآخر المهزوم.
خاصة حين يكون هذا الآخر يصر على أن يقاوم لدرجة لم تر في غيره من الأمم التي أبيدت.
هنا بدافع الفراغ العقدي و الروحي يكون الدافع لاعتناق عقيدة الآخر و السير في ركابه تحت لواء الإسلام الذي يغلب غالبه كما كان الحال بعد عين جالوت.
صحيح أن اعتناق الإسلام عند الأمريكان الآن ليس بالمعدل الكبير عند المغول لكن هناك انتشار كبير الآن حتى في مواقع القتال.
ثمة نقطة اختلاف غاية في الأهمية هنا, هو أن المغول لم يكونوا أهل ثقافة و لا حضارة , عكس الأمريكان الذين لهم
طريقة حياة و ثقافة مهيمنة على العقول في كثير من دول أعداءها على عكس المغول الرحل.
أي أن الغزو الثقافي و تجريف وعي الأمم المهزومة عند المغول هو ما يعيق انتشار الوعي عند المسلمين و التضليل الإعلامي و الهيمنة الإعلامية تخفي و تشوه حقيقة الإسلام مما يفسر بطء استجابة الأمريكان للإسلام على عكس المغول رغم الاشتراك في الحضارة المادية و الفراغ الروحي.
لا أتكهن بانتهاء عدوان أمريكا كما فعل المغول لإن هناك تنام واضح للاتجاه الديني و تيار المحافظين الجدد في أمريكا و السعي لإرجاع الروح الصليبية من جديد متسترة بعباءة الدين.
كذلك أن الأمريكيين ليسوا كلهم محاربين كالمغول و أنهم ليسوا على صلة مباشرة من سفك الدماء و القتل والحرق
و الجرائم التي يرتكبها المغول مما يخفف الإحساس بالذنب و الاحتكاك المباشر بالآخر المسلم على عكس
المغول الأمة المحاربة البدوية
2-الصليبيون و الصهاينة:
كلاهما لديه عقيدة استعمارية متدثرة بغطاء سميك من التعصب الديني .
تأثرهم بالآخر روحيا ضعيف طبقا لعقيدة الاستيطان و التعصب الديني المشبعين بها.
كذلك كلاهما اختار الشام لخيراتها و لإيجاد مبرر ديني لحملتهم يؤلف القلوب حولهم.
يثبت ذلك عند الصهاينة اقتراحات سابقة بإقامة الوطن القومي لليهود بمكان فلسطين كالأرجنتين مثلا.
أيضا رجال الدين المتعصبين عندهم يشاركون في الحرب والدعوة إليها حتى كان الرهبان يسيرون و سيوفهم تقطر دما في شوارع القدس.
كما سمعنا فتاوى الحاخامات للجنود بعدم المشاركة في إخلاء المستوطنين بالقوة.
أيضا ظروف استنجاد كل منهما بالقوة العظمى في عالمه.
كان الاستنجاد بعد فترة توسع كبيرة طالت سورية و لبنان و هددت مصر لكن بعد الهزيمة في حطين ثم هزيمة ريتشارد قلب الأسد و عقد صلح الرملة,بدا للصليبيين أنهم لا يستطيعون إلا البقاء في قلاعهم مكتفين في الإغارة على
جيرانهم و منع أي فرصة لتوحدهم.
كذل اليهود بعد محاولتهم للتوسع في حرب 1967ثم في حرب لبنان الأولى و الأخيرة بدا لهم أنهم غير قادرين سوى على الاحتفاظ بما في أيديهم.
و مع تشابه الظروف يوجد أيضا تشابه العلاقة بين القوة المتعصبة و القوة العظمى.
فالمغول كانوا يحاربون الصليبيين في أوروبا موطنهم الأصلي في بولندا و المجر و غيرها ثم استطاع الصليبيون
بالتأثير على هولاكو عن طريق زوجته (التي أدت دورها كلوبي صليبي يؤثر على دائرة صنع القرار المغولية)
بأن أقنعوه أنهم موجودن لخدمته و إضعاف أعدائه المسلمين و من ثم حول المغول طريق غزوهم إلى بلاد المسلمين بشكل أكثر تركيزا عما قبل.
أما اليهود الذي كان الغرب يستهدفه و يحذر منه أحد الرؤساء الأمريكيين( بنيامين فرانكلين على ما أذكر)
بات واضحا أنهم أكثر نفعا لأعدائهم القدامى و أنهم أحرص للإمبراطورية البريطانية(القوة العظمى في هذا الوقت قبل الأمريكيين) من ناحية حماية قناة السويس و الوقوف أما أي توحد عربي و جرحا نافذا يستنزف قواهم .
غني عن الذكر تأثير الللوبي الصهيوني على صناع القرار الغربيين خاصة أمريكا و إقناعهم أن مايحدث في مصلحتهم.
طبعا الاختلاف بين الصليبيين و المغول موجود من ناحية أن نشأة الصليبيين لم تكن بمساعدة المغول و الحملات الآتية من وراء البحر التي تناظرها هجرة اليهود لكن بصورة أقل الآن.
أيضا أن نشأة دولة الصهاينة كانت بدعم واحتضان غربي على كافة المستويات.
أيضا موضوع السلاح النووي مشكلة جوهرية لا تجعل القضاء على الصهاينة مسألة عدد و عدة.
رغم أن الوجوه هي الوجوه و الدين هو الدين و هؤلاء أجداد هؤلاء لكن الأحوال تتشابه حينا و تختلف حينا لذا أجدني أمام طرفين أوازن بينهما مركزا بشكل أكبر على مصر.
في عهد المسلمين الأجداد كان مدن الإسلام رمزا للحضارة و التقدم في جميع المجالات بصورة تجعل أية أمة عاصرتها في صورة برابرة جاهلين.
كان المسلمون رغم انحاططهم السياسي و العسكري ثقافيا و دينيا متماسكين إلى حد بعيد.
أضف إلى ذلك الإجماع على أن الأخذ بالأسباب و العودة إلى قيم الإسلام هي الحل الوحيد أمامهم للخروج من أزمتهم.
لكن كان هناك خليفة بلا صفة و سلطات وسط ملوك متناحرين يهادنون الفرنج و يقاتلون بعضهم بعضا حتى الموت.
وسط إيمان تام من الحكام الجبناء بوجوب مهادنة المغول كانوا أيضا يغضون الطرف عن انتشار المفاسد و الرذيلة ,
فلم يسمع عن أي منهم أن اهتم بالدين أو استمع إلى الفقهاء أو طبق شرع الله كما يجب.
لكن رجلا واحدا صمم على الوقوف أما كل هذا و تغيير التاريخ.
إنه العز بن عبدالسلام ……
سلطان الأئمة ومعه حلف قوي من الأمراء و الفقهاء الصالحين الذين يريدون الوقوف امام أعداء الداخل و الخارج.
مهم جدا أن أشير إلى أن مهمة الفقيه تشمل عدة مهمات انفصل بعضها الآن فالفقيه كان المفكر و المثقف و النفتي و المصلح الاجتماعي في نفس الوقت.
كان الجور و الاستبداد بلغ مبلغه و رأى المغول التحالف مع هؤلاء المستبدين ليخضعوا لهم في دفع الجزية و الرضى بنهب دار الإسلام.
لكن انسجام جبهة الفقهاء على الحل و المرجعية المطلوبة للخروج من الأزمة و الاتصال المباشر مع العامة و ضرب المثل في التضحية من أجل الغاية النبيلة و لعل سيرة حياة العز كلها تدل على هذه القيمة.
هو أبلغ دليل على هذا.
حتى إذا ما تحالف الفقهاء مع الأمراء الغيورين على مصلحة الأمة تحول المصري الذي كان يولى أمره إلى فاسق أو
طفل لا يعي, الذي كان يسرقه المماليك و يضربونه و يذلونه إلى جندي لا يشق له غبار يقف أما أقوى جيوش عصره.
لكن كالعادة أخذ السلاح مرة أخرى من يد الشعب و سرق النصر منهم.
لكن حينها واجه أجدادنا التحدي و انتصروا.
بعد سنين طويلة من التراخي و الهوان أمام الصليبيين قبل ظهور زنكي و بعد موت صلاح الدين
ثم جاء أعداؤنا يكرون علينا من جديد بوجوه غير الوجوه و أسماء غير الأسماء
لكن الأرواح هي الأرواح و الأهداف و الوسائل لا تتغير……….
بتقدون حقدا و بغضا ووحشية.
بعد كل هذا لا أعتقد أن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا!
لا تندهش مما أقول لأن حالنا اليوم الذي هضمت حق ذكره في هذا المقال …….
هو أبلغ دليل على ذلك.
فهل سنفيق أم ننتظر 140عاما حتى ننتصر على الصهاينة كما فعل أجدادنا؟
المصادر:
1-كتاب متى نصر الله؟,أ. صالح الحديدي
2-إسلام أون لاين
3-كتاب القدس التحدي الحضاري للأمة الإسلامية,د.عبد الله شحاتة.
كتبت بواسطة granadian
