هل التاريخ يعيد نفسه؟
السلام عليكم ورحمة الله:
كتبت منذ فترة طويلة في توقيعي في منتدى دار ليلى عن قرب نشري لمسرحية بعنوان “قطز 2006″
لكني أدركت أن الكتابة عن المسرحية أفضل بكثير من المسرحية التي لم أخط فيها حرفا و لم يتبق منها سوى مشاهد قليلة في ذهن العبد لله.
ثم طفا الموضوع على السطح مرة أخرى عندما ظهر موضوع الموسوعة الثقافية المصغرة.
قررت أن أكتب موضوعي وهو عبارة عن وجهة نظر شخصية في الفترة التي سبقت و تلت معركة عين جالوت مباشرة
و بين تاريخنا المعاصر.
إذا رأى الإشراف أن الموضوع لا يناسب الموسوعة يمكنهم أن ينقلوه إلى منتدى خواطر و مقالات لا مشكلة في ذلك.
ندخل في الموضوع مباشرة و لأبدأ في أطراف الصراع المغولي الصليبي الإسلامي و أشباههم في عصرنا الآن:
هل التاريخ يعيد نفسه؟
رغم إيماني العميق أننا يجب ألا نلي عنق الواقع ليتطابق مع التاريخ و أن نتعامل مع الدنيا بقوالب معدة مسبقا ظانين أنها تصلح لكل زمان و مكان, إلا أنني وجدت أن هناك نقاط تشابه عديدة لا أستطيع أن أصمت حيالها:
1-المغول و الأمريكان:
تختلف نشأة المغول عن الأمريكان أو حتى الظروف التي أصبح كلا منهما مؤثرا في عصره.
لكن ربما يجمعهم الحضارة المادية البحتة و دستور يكيل بمكيالين يصرون على تطبيقه على كل الشعوب.
عند المغول هو الإلياسة أما عند الأمريكان فهي الليبرالية و الديمقراطية الغربية.
لا فارق بينهما فكلاهما ظلم بين للآخر الضعيف و جعل الهدف منه هو تسخير العالم للشعب المتميز سواء كانوا غضب الله الذي يعاقب به عباده كما يدعي المغول أو هم أكمل ما وصل إليه الإنسان و يطمح إليه كما يشير صاحب نهاية التاريخ.
لكن الحياة المادية و الرفاهية التي يعيش فيهما سادة العالم تجعلهم أكثر تأثرا بثقافة الآخر المهزوم.
خاصة حين يكون هذا الآخر يصر على أن يقاوم لدرجة لم تر في غيره من الأمم التي أبيدت.
هنا بدافع الفراغ العقدي و الروحي يكون الدافع لاعتناق عقيدة الآخر و السير في ركابه تحت لواء الإسلام الذي يغلب غالبه كما كان الحال بعد عين جالوت.
صحيح أن اعتناق الإسلام عند الأمريكان الآن ليس بالمعدل الكبير عند المغول لكن هناك انتشار كبير الآن حتى في مواقع القتال.
ثمة نقطة اختلاف غاية في الأهمية هنا, هو أن المغول لم يكونوا أهل ثقافة و لا حضارة , عكس الأمريكان الذين لهم
طريقة حياة و ثقافة مهيمنة على العقول في كثير من دول أعداءها على عكس المغول الرحل.
أي أن الغزو الثقافي و تجريف وعي الأمم المهزومة عند المغول هو ما يعيق انتشار الوعي عند المسلمين و التضليل الإعلامي و الهيمنة الإعلامية تخفي و تشوه حقيقة الإسلام مما يفسر بطء استجابة الأمريكان للإسلام على عكس المغول رغم الاشتراك في الحضارة المادية و الفراغ الروحي.
لا أتكهن بانتهاء عدوان أمريكا كما فعل المغول لإن هناك تنام واضح للاتجاه الديني و تيار المحافظين الجدد في أمريكا و السعي لإرجاع الروح الصليبية من جديد متسترة بعباءة الدين.
كذلك أن الأمريكيين ليسوا كلهم محاربين كالمغول و أنهم ليسوا على صلة مباشرة من سفك الدماء و القتل والحرق
و الجرائم التي يرتكبها المغول مما يخفف الإحساس بالذنب و الاحتكاك المباشر بالآخر المسلم على عكس
المغول الأمة المحاربة البدوية
2-الصليبيون و الصهاينة:
كلاهما لديه عقيدة استعمارية متدثرة بغطاء سميك من التعصب الديني .
تأثرهم بالآخر روحيا ضعيف طبقا لعقيدة الاستيطان و التعصب الديني المشبعين بها.
كذلك كلاهما اختار الشام لخيراتها و لإيجاد مبرر ديني لحملتهم يؤلف القلوب حولهم.
يثبت ذلك عند الصهاينة اقتراحات سابقة بإقامة الوطن القومي لليهود بمكان فلسطين كالأرجنتين مثلا.
أيضا رجال الدين المتعصبين عندهم يشاركون في الحرب والدعوة إليها حتى كان الرهبان يسيرون و سيوفهم تقطر دما في شوارع القدس.
كما سمعنا فتاوى الحاخامات للجنود بعدم المشاركة في إخلاء المستوطنين بالقوة.
أيضا ظروف استنجاد كل منهما بالقوة العظمى في عالمه.
كان الاستنجاد بعد فترة توسع كبيرة طالت سورية و لبنان و هددت مصر لكن بعد الهزيمة في حطين ثم هزيمة ريتشارد قلب الأسد و عقد صلح الرملة,بدا للصليبيين أنهم لا يستطيعون إلا البقاء في قلاعهم مكتفين في الإغارة على
جيرانهم و منع أي فرصة لتوحدهم.
كذل اليهود بعد محاولتهم للتوسع في حرب 1967ثم في حرب لبنان الأولى و الأخيرة بدا لهم أنهم غير قادرين سوى على الاحتفاظ بما في أيديهم.
و مع تشابه الظروف يوجد أيضا تشابه العلاقة بين القوة المتعصبة و القوة العظمى.
فالمغول كانوا يحاربون الصليبيين في أوروبا موطنهم الأصلي في بولندا و المجر و غيرها ثم استطاع الصليبيون
بالتأثير على هولاكو عن طريق زوجته (التي أدت دورها كلوبي صليبي يؤثر على دائرة صنع القرار المغولية)
بأن أقنعوه أنهم موجودن لخدمته و إضعاف أعدائه المسلمين و من ثم حول المغول طريق غزوهم إلى بلاد المسلمين بشكل أكثر تركيزا عما قبل.
أما اليهود الذي كان الغرب يستهدفه و يحذر منه أحد الرؤساء الأمريكيين( بنيامين فرانكلين على ما أذكر)
بات واضحا أنهم أكثر نفعا لأعدائهم القدامى و أنهم أحرص للإمبراطورية البريطانية(القوة العظمى في هذا الوقت قبل الأمريكيين) من ناحية حماية قناة السويس و الوقوف أما أي توحد عربي و جرحا نافذا يستنزف قواهم .
غني عن الذكر تأثير الللوبي الصهيوني على صناع القرار الغربيين خاصة أمريكا و إقناعهم أن مايحدث في مصلحتهم.
طبعا الاختلاف بين الصليبيين و المغول موجود من ناحية أن نشأة الصليبيين لم تكن بمساعدة المغول و الحملات الآتية من وراء البحر التي تناظرها هجرة اليهود لكن بصورة أقل الآن.
أيضا أن نشأة دولة الصهاينة كانت بدعم واحتضان غربي على كافة المستويات.
أيضا موضوع السلاح النووي مشكلة جوهرية لا تجعل القضاء على الصهاينة مسألة عدد و عدة.
رغم أن الوجوه هي الوجوه و الدين هو الدين و هؤلاء أجداد هؤلاء لكن الأحوال تتشابه حينا و تختلف حينا لذا أجدني أمام طرفين أوازن بينهما مركزا بشكل أكبر على مصر.
في عهد المسلمين الأجداد كان مدن الإسلام رمزا للحضارة و التقدم في جميع المجالات بصورة تجعل أية أمة عاصرتها في صورة برابرة جاهلين.
كان المسلمون رغم انحاططهم السياسي و العسكري ثقافيا و دينيا متماسكين إلى حد بعيد.
أضف إلى ذلك الإجماع على أن الأخذ بالأسباب و العودة إلى قيم الإسلام هي الحل الوحيد أمامهم للخروج من أزمتهم.
لكن كان هناك خليفة بلا صفة و سلطات وسط ملوك متناحرين يهادنون الفرنج و يقاتلون بعضهم بعضا حتى الموت.
وسط إيمان تام من الحكام الجبناء بوجوب مهادنة المغول كانوا أيضا يغضون الطرف عن انتشار المفاسد و الرذيلة ,
فلم يسمع عن أي منهم أن اهتم بالدين أو استمع إلى الفقهاء أو طبق شرع الله كما يجب.
لكن رجلا واحدا صمم على الوقوف أما كل هذا و تغيير التاريخ.
إنه العز بن عبدالسلام ……
سلطان الأئمة ومعه حلف قوي من الأمراء و الفقهاء الصالحين الذين يريدون الوقوف امام أعداء الداخل و الخارج.
مهم جدا أن أشير إلى أن مهمة الفقيه تشمل عدة مهمات انفصل بعضها الآن فالفقيه كان المفكر و المثقف و النفتي و المصلح الاجتماعي في نفس الوقت.
كان الجور و الاستبداد بلغ مبلغه و رأى المغول التحالف مع هؤلاء المستبدين ليخضعوا لهم في دفع الجزية و الرضى بنهب دار الإسلام.
لكن انسجام جبهة الفقهاء على الحل و المرجعية المطلوبة للخروج من الأزمة و الاتصال المباشر مع العامة و ضرب المثل في التضحية من أجل الغاية النبيلة و لعل سيرة حياة العز كلها تدل على هذه القيمة.
هو أبلغ دليل على هذا.
حتى إذا ما تحالف الفقهاء مع الأمراء الغيورين على مصلحة الأمة تحول المصري الذي كان يولى أمره إلى فاسق أو
طفل لا يعي, الذي كان يسرقه المماليك و يضربونه و يذلونه إلى جندي لا يشق له غبار يقف أما أقوى جيوش عصره.
لكن كالعادة أخذ السلاح مرة أخرى من يد الشعب و سرق النصر منهم.
لكن حينها واجه أجدادنا التحدي و انتصروا.
بعد سنين طويلة من التراخي و الهوان أمام الصليبيين قبل ظهور زنكي و بعد موت صلاح الدين
ثم جاء أعداؤنا يكرون علينا من جديد بوجوه غير الوجوه و أسماء غير الأسماء
لكن الأرواح هي الأرواح و الأهداف و الوسائل لا تتغير……….
بتقدون حقدا و بغضا ووحشية.
بعد كل هذا لا أعتقد أن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا!
لا تندهش مما أقول لأن حالنا اليوم الذي هضمت حق ذكره في هذا المقال …….
هو أبلغ دليل على ذلك.
فهل سنفيق أم ننتظر 140عاما حتى ننتصر على الصهاينة كما فعل أجدادنا؟
المصادر:
1-كتاب متى نصر الله؟,أ. صالح الحديدي
2-إسلام أون لاين
3-كتاب القدس التحدي الحضاري للأمة الإسلامية,د.عبد الله شحاتة.