السلام عليكم و رحمة الله:
ثالث رواية أقرأها و تكون غير موجهة خاصة للشباب.
الرواية الرائعة “قصة سربرينيتسا”.قرأت مقالا عنها على موقع إسلام أون لاين فتمنيت من الله أن أجدها وسط زحام المعرض.وكانت الانفراجة حين قابلت الأستاذ محمد سامي بارك الله فيه و أخبرني أين شاهد ملصق الرواية.
طبعا كنت مفلسا حينها لكن في الذهاب الثاني للمعرض اشتريتها.
و قرأت الرواية في ثلاثة أيام حتى أرهقت عيني لكني لم أرد سوى الاستمرار في القراءة.
ليس فقط لأنها المعالجة الروائية الأولى للحرب على البوسنة.ليس لأن كاتبها بوسني نجا من المذبحة التي يكتب عنها.
لكن لأنه استطاع أن يأسرني لأتابع حتى النهاية في ماراثون طوله حوال 450 صفحة من القطع الكبير.
لا أنسى هنا الدور الكبير الذي لعبته المترجمة فالرواية ترجمت من البوسنية إلى الانجليزية و من ثم ترجمتها
المترجمة إلى العربية.لكنها لم تفقد الروح التي كتبت بها , لم تفقد الأسلوب الساحر الذي يجعلك تغطس حتى أذنيك
في أجواء بوسنية تتحول من السحر و الجمال إلى الكابوسية و الرعب.
الأساليب التي كان يكتب بها تنوعت بين أسلوب المؤرخين ثم الروائيين ثم الشعراء في أكثر الخواطر كآبة حول الموت.
تبدأ القصة بخواطر البطل “مرجان جوزو” مساح الأراضي و الإمام خريج المدرسة الشعية سليل العائلة المشهورة بالعلم و التقوىو أكثر العائلات حبا و انتماء لسربرينيتسا.خواطر قاتمة تلك التي جالت بعقل البطل و تتجلى قتامتها في أنه كتب على جسده
الله إلهي
الإسلام ديني
القرآن كتابي المقدس
مكة المركرمة قبلتي التي أتوجه إليها في الصلاة
محمد
نبيي
أنا من نسل النبي آدم
أنا من أمة النبي إبراهيم ![]()
أنا من أمة محمد
لأنه لا يعرف حين يموت هل سيدفن حسب الشرع هل سيلقنه أحد إجابة الملكين؟!
إنه محاصر و قد أخذت منهم الأمم المتحدة كل أسلحتهم لإنهم أعلنوها منطقة آمنة.
أجبروا المقاومين على التراجع من أمام الصرب ترك خنادقهم و إلا فهم لا يتعهدون بأي حماية.
الهولنديون الذين لا يعرف البوسنيون عنهم سوى أنهم جاؤوا من بلاد جميلة خانوهم و باعومهم للصرب
خانوا أهالي سربرينيتسا التي لا يرعف بطلنا فيها أي المواطنين هو هل هو بوسني و رئيسه علي عزت بيجوفيتش
أم موطان “أممي” ليس لديه سوى “غالي” الذي باعهم و تخاذل عن حمايتهم هو و كل الأممين من قصرهم الفخم في نيو يورك.
إنهم حتى ليسوا كالمصارعين البوسنين الذين كانوا يجبون ليحاربوا في حلبات الرومان لترفيه قيصر حتى الموت.
لم يعطوا السلاح,لم يعطوا الحق للدفاع عن أنفسهم.
لكن هذا قدر سربرينيتسا و هي المدينة الرابعة التي تقام على هذه الأرض التي سميت أرغنتاريا أي الأرض الفضية نسبة لغناها بالفضة.
يتعرض الكاتب لتاريخها من ألفي عام مازجا التاريخ بالقصص الشعبية و كل كلمة يكتبها لا تثمر في قلب القارئ سوى الحزن و الأم.
نعرف كذلك الرؤيا التي رآها محمد الفاتح و هو على وشك فتح البوسنة و هو يقصها على درويشه بأنه رأى
سيدنا أبو بكر فتنبأ الدرويش بغنى البوسنة و تنازلها عن ثروتها كما فعل أبو بكر الثري في سبيل الله.
كذلك رأى السلطان عثمان فتنبأ الدرويش بأن أهل البوسنة سيكونون مؤمنين من ذوي الحياء كما كان عثمان.
كذلك حين رأى عليا كرم الله وجهه قال الدرويش إن شعب البوسنة سيكون مجاهدا.
لكن حين قال الفاتح أنه لم ير عمر قال الدرويش (بعد أن كان يثني على رؤيا السلطان)
“يا جناب السلطان,لقد تقوض منامك الذي رأيته بشأن هذه الأرض…
و انهارت الرؤيا و تداعت.فسيدنا عمر كان_فوق كل مزاياه التي جعلته خليفة و ستجعله مثالا و قدوة للمؤمنين إلى أن يرث الله الأرض و من عليها رجلا منصفا و عادلا؛ كان عادلا قبل كل شئ. وليس من العسير تفسير رؤياك؛ فالبوسنة ستصبح بلادا غنية و تقية و أرضا للمجاهدين و لكن ما كان فيها أي عدالة و لن يكون!! هذه الأرض محكوم عليها بالظلم يا مولاي!!”
خط آخر يأخذنا إليه المؤلف و هو عثور البطل على مذكرات جده “رحمن بك جوزو” الذي حارب في الحرب العالمية الأولى حين كانت البوسنة تحت حكم النمسا و المجر و أسره الروس .
هنا تبرز ثقافة الكاتب الدينية بنجاة الجد بقراءة سورة يوسف أمام مستجوبه ثم معاشرته لقبائل التاي المسلمة
و تزوجه من إجداهن ثم السفر للحج (حلم كل بوسني) و بعدها يعود إلى البوسنة بعد أن ماتت زوجته ووليدها
قبل أن يسافر.رحلة الجد قمة في الخيال و الصدف الجميلة المبررة و لغز نجاته بسبب سورة يوسف التي لا يعلم كيف جرت على لسانه و هو كان يريد قراءة سورة يس نكتشفه حين يقرأ نفس السورة أمام شيخ قبيلة التاي و كان
المفروض أن يقرأ سورة التين!.رحلة الجد جميلة جدا و بها الكثير من المعاني.
لازلنا في الخط الرئيسي مع مرجان بأفكاره القاتمة الكابوسية و هلاوسه و حبه لتنزيلا التي لم يتزوجها و إيمانه
بأنه لن يحميهم أحد ثم يبدأ رحلة النزوح مع الآلاف من سكان مدينته أو من نزحوا من مدنهم “للمنطقة الآمنة”
حيث يندس الصرب بينهم يضللونهم و يضربهم الصرب بكافة أنواع القذائف و ترشهم الطائرات بالغازات السامة كأنها ترش مجموعة من الحشرات.هنا يصاب الجميع بالجنون و يقتل بعض البوسنيون بعضهم بعضا ظنا
أنهم من الصرب و يرون فتيات شنقن أنفسهن على أغصان الشجر بعد أن اغتصبهن الصرب..موجة من الجنون و الكوابيس المفزعة لم تحدث في تاريخ البشرية.
لا أريد أن أحرق الرواية فقط أشير إلى أن الصرب حتى الآن لم يعيدوا سربرينستا إلى البوسنة حسب قرار
الأمم المتحدة.
إن كلمات مثل لن ننسى و لن نغفر ليست كافية حسب تعبير المؤلف في الخاتمة بل يجب أن نقف ضد انسيان بأي ثمن.
عذرا للإطالة و لا أجد ما أقوله لسربرينيتسا في نهاية المقال سوى ما قاله مرجان:
الوداع…
الوداع إلى الأبد..
يا أرض أجدادي الفضية